حوار: حسين الورداني

نظام الاقتصاد الإسلامي نظام متميز في طبيعته عن غيره من الأنظمة الاقتصادية الأخرى ، إذ يرجع تميزه لارتباطه بالعقيدة الإسلامية في صياغة مبادئه وقوانينه وكافّة القواعد والتشريعات الخاصّة به ، بالاضافة إلى قربه من الواقع فهو يهتم بطبيعة الحالة الاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية الخاصة بالأفراد ، الأمر الذي يستدعي إلى التمسك به والعمل على نشره في أرض الواقع ، والمحاولة المستمرة في مواجهة التحديات والعراقيل التي تواجهه والعمل على حلها بأرقى الأساليب المناسبة مع الواقع المعاصر ، كما أنه يتميز بالشمولية فلا يقتصر على الأمور المادية فقط بل يرتقي بالجوانب الروحية والأخلاقية التي تساهم في تحقيق كافة احتياجات الناس ، فهو نموذج صالح لكل زمان ومان.

أكد الدكتور علاء الصفتي رئيس مركز الاقتصاد الإسلامي بالمصرف المتحد في حواره لـ “الجمعية المصرية للتمويل الإسلامي” أن التوعية بالفكر الاقتصادي الإسلامي أمر ضروري وهام لانتشاره على الوجه الصحيح ، وهذا الدور منوط به كافة المؤسسات والمراكز الاقتصادية والمجامع الفقهية على مستوى العالم لتبصير الناس بصحيح الفكر والتطبيق السليم للصناعة المصرفية الإسلامية.

وإلى نص الحوار:

  • بداية .. عرفنا بالاقتصاد الإسلامي والأسس التي يقوم عليها ؟

الاقتصاد الإسلامي أسلوب معتمد على الإسلام في استخدام الموارد من أجل توفير حاجات الناس ، حيث أنه نهل أحكامه من مشربين أساسين هما القرآن الكريم والسنة المطهرة بالاضافة إلى الاجتهاد الفقهي في متابعة الأعمال الاقتصادية ضمن البيئة الاجتماعية .

ولقد قام هذا النظام الاقتصادي الإسلامي على ثلاثة أسس اقتصادية رئيسية وهي :

-“الملكية المزدوجة”:وهي أنّ الإنسان هو المُستخلَف في الأرض؛ حتى يستفيد منها ويعمل على تطويرها، قال تعالى: (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ۖ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ).[٨] فيحقّ للإنسان المُسلم التملّك ضمن حدود الشريعة الإسلاميّة، وعليه أنّ يُحافظ على أملاكه من خلال استخدامها بطريقة عادلة وبعيدة عن ضررها أو إهدارها؛ إذ يُساهم نظام الاقتصاد الإسلاميّ في التمييز بين الأملاك الخاصّة بالأفراد والأملاك العامّة التي تُعتَبر مُلكاً للمجتمع، ويقرّ التشريع الإسلامي بضرورة المُحافظة على حقوق أصحاب الأملاك، ويترتّب عليها أنّ يوفّر أصحابها الحماية لها من السّرقة أو الاختلاس، لذلك شرع الإسلام مجموعةً من العقوبات التي تُساهم في المُحافظة على حقوق الملكيّة.

-“الحرية المُقيدة”: وهي من المبادئ الأساسيّة في الاقتصاد الإسلاميّ؛ إذ لكلّ فرد الحريّة في مُمارسة الأنشطة الاقتصاديّة التي يريدها طالما أنّها لا تتعارض أو تخالف مبادئ الشريعة الإسلاميّة، لذلك الحرية الاقتصاديّة في الإسلام ليست مُطلَقة، ولكنها مُقيّدةٌ بمجموعة من القواعد التشريعيّة والأخلاقيّة، فإذا تعارضت المصالح مع بعضها فيجب تقديم المصلحة العامّة على المصلحة الخاصّة، لذلك لا يجوز احتكار السلع، وتعطيل الأراضي الصالحة للاستخدام، والقيام بأعمال تُلحق الضرر بالناس، فالحرية الاقتصاديّة في الإسلام هي حقيقيّة تخدم مصالح الجميع، وبعيدة عن الظلم والاستعباد، بلّ تتميز بالعدالة في ضمان حاجات الأفراد الأساسيّة.

-“العدالة الاجتماعيّة”: هي من الأُسس الاقتصاديّة المُهمّة في الاقتصاد الإسلاميّ، ومن أهمّ صورها التوزيع العادل للدخل ضمن أحكام وضوابط الإسلام، وتحديد الطُرق الصحيحة لإنفاق المال، ووضع الأُسس المُناسبة لتوزيع الميراث على الورثة وفقاً للوسائل الشرعيّة الصحيحة.

  • هل نجد على أرض الواقع تعامل صحيح مع النموذج الإسلامي ؟

للأسف نجد ضعف في التعامل مع النموذج الإسلامي لفهم الاقتصاد والتعامل معه فيما يقدم ، حيث أن البعض يحصر الاقتصاد الإسلامي في البنوك الإسلامية ، والبنوك تحصرها في المرابحة ، والمرابحة تنحصر في التطبيق ، هل تم تطبيقها بشكل صحيح أم لا ؟، وهل لدينا نموذج إسلامي يدير منظومة دولة أو العالم بأكمله مثل الرأسمالية أو الاشتراكية ، ولكننا نجد التعارض بيننا في فسافس الأمور ، والناظر إلى الصورة الحقيقية للنموذج الإسلامي يجد أنه قائم على فكرة أنك مستخلف في المال ولست مالكًا أصيلًا له ، فالنقد ليس هو المال ، المال هو الثروة والثروة تكمن في السلع التي تملكها وليست بقيمة النقود ،حيث أن كنز هذه النقود لدينا في الشرع يتحصل منها على ٢٫٥٪ قيمة الزكاة ، بالاضافة لما توعده الله للمكنزين للذهب والفضة من ويلات ، وكذلك لحق الفقير فيها غير الحق الثابت له في الزكاة ، حيث أن الصدقة حق وهي ترتقي لدرجة الزكاة الواجبة في حالة تعرض الفقير للهلكة .

  • ‬ما النصيحة الواجبة للإتباع في هذا الشأن من التعامل مع النموذج الإسلامي بصورة صحيحة؟

لابدمن تغيير سلوك الفرد بالتوجه إلى تحويل النقود إلى سلع أو خدمات ، حيث أن السلوك الاسلامي الاقتصادي يشير إلى أن التخلص من النقود وتحويلها لثروة من سلع وخدمات يستفيد بها الفرد ولايقع تحت بند الخسارة في الدنيا والآخرة ، فتحويل النقد إلى سلعة يساهم في تزويد عجلة الإنتاج والتي نراها في الغرب قائمة على العرض والطلب ، أما الفكر الإسلامي وهوالقائم على فكرة التخلص من النقود بتحويلها إلى سلع في شكل ثروة يوضع عليها قيمة مضافة لتحويلها لقيمة عالية من سعر الشراء وبالتالي يؤثر بالإيجاب على عجلة الإنتاج فهي تكمن في التفنن في الإضافة على ما لدي بصرف النظر عن احتياج الناس ، حيث أن التطور الحضاري ليس قائم على احتياج الناس ولكن على ما أمتلكه من موارد وكيفية توظيفها، وإذا نظرنا إلى منهج الاقتصاد التقليدي نجد أنه قائم على فوائد البنوك ويعادلها التضخم ، حيث أن فكرة الإنتاجية لديهم هامشية جدا، في المقابل نجد النموذج الإسلامي يعتمد عليها بشكل أساسي مع خلوه من الضرائب والتي تقدر بقيمة صفر بالاضافة لما توعد به النبي صلى الله عليه وسلم بجمع المكوث من ويلات ، ولكننا نرى تواجد الزكاة في الاقتصاد الإسلامي بشكل كبير من حيث القيمة ، فالوعاء الادخاري يحوي كل ما في الذمة المالية عكس الضرائب والتي تقتطع من الدخل الشهري فقط ، لذلك نرى أن الزكاة تحقق مبدأ العدالة بشكل فوري مما يحدث توازن في المجتمع بين طبقاتها بالاضافة إلى أنها متناسبة مع عمر الفرد.

  • ما رؤيتكم في قرارات البنك المركزي بالنسبة لسعر الفائدة ؟

أرى أن ما يفعله البنك المركزي من تغيير في سعر الفائدة بالزيادة والنقصان أكبر دليل على أن فكرة الاقتصاد الإسلامي ناجحة لأبعد الحدود والتي تقوم على فكرة المحتسب وهو القائم على فكرة التجارة وتغيرات السوق والرقابة على من يقوم بالاحتكار أو يصنع مخالفات في البيع وغيرها وهي التي وجدت قديما وتطورت بعد ذلك لتكوين فكرة البنك المركزي، بالاضافة إلى أن آلية إدارة المخاطر الأنسب لها النموذج الإسلامي القائم على المشاركة في الربح ، حيث أنه يوجه إلى كيفية إدارة هذه الأموال وتأثيرها على السوق ، كما أنه لاتوجد صيغة تمويل إسلامية واحدة قائمة على النقود فكل الصيغ من ” مرابحة، مضاربة ، مشاركة ، استصناع، سلم…” قائمة على السلع ومشتقاتها، ونرى أن منتج التورق وهو موضع اختلاف لدى البعض يعارضه الاقتصاد الإسلامي لتأثيره السلبي ، لذا لاب من التوجيه بتحويل النقود إلى سلع وخدمات لما يترتب عليه من رفع عجلة الإنتاج.

  • اعطنا نبذة مختصرة عن المصرف المتحد ؟

المصرف المتحد هو امتداد للمصرف الإسلامي الدولي بعد دمجه مع بنكين ، بنك “النيل” و “البنك المصري المتحد”، وذلك في عام ٢٠٠٦ تحت رعاية البنك المركزي المصري، ولقد أخذ المصرف المتحد ميراث المصرف الإسلامي الدولي بفروعه ومنتجاته وجعلها قطاع مستقل تحت مسمى القطاع الإسلامي.

  • ما تقييمك لأداء المصرف المتحد خلال جائحة كورونا الأخيرة؟

في البداية واجهنا تحديات كبيرة أهمها تحدي تأجيل أقساط المرابحات وفقًا لقرار البنك المركزي لمدة ٦ شهور وهو تحدي مهني وشرعي وإداري ، وبفضل الله تخطينا هذه التحديات على كافة المستويات بشكل متميز فمن الناحية الشرعية صدر قرار من الهيئة الشرعية بعدم تحميل العميل أي فوائد في حالة رغبته في التأجيل وهو أمرًا متميزا في صالح عملائنا ، أما الناحية المهنية والمرتبطة بالعمليات المصرفية وتنفيذها تمت بشكل جيد من قبل الإدار المختصة لدينا في الحاسب الآلي مع التوافق نع قرارات الهيئة في عدم تحميل العملاء أي فوائد على المرابحة، أما الناحية الإدراية فتمت بشكل متميز من خلال المتابعة مع العملاء بشكل مستمر بكافة الوسائل المتاحة لمعرفة رغب العميل في التأجيل من عدمه.

  • ما الاخفاقات التي تعرض لها المصرف في ظل هذه الجائحة؟

في الحقيقة وجدنا تسرب كبير في الودائع الإسلامية نظرا لأن الجائحة تأثيرها الاقتصادي كبير على الفئة المدخرة من القطاع الإسلامي ، حيث لجأ البعض إلى عدم اللجوء إلى الادخار والاحتفاظ بالأموال لديه ، فضلًا عن قرارت البنك المركزي في حد السحب اليومي بقيم متدرجة ، بالاضافة إلى الأعمال الحرة والتي كان الدخل فيها قليل للغاية خلال جائحة كورونا وبالتالي قل الايداع اليومي وترتب عليه زيادة في الادخار السلبي ، كما أن معدلات التمويلات تزايدت خلال هذ الفترة عن سابقها ، فالطلب على المنح تزايد بشكل ملحوظ وعمليات المنح قلت عن غيرها على مدار العام.

  • وما الامتيازات التي ظهرت خلال الجائحة؟

على الرغم من الاخفاقات خلال جائحة كورونا إلى أن ساهمت في كثير من الامتيازات ، منها ظهور الخدمات الرقمية ووسائل الدفع الإلكتروني ، وماترتب عليها من انتعاش للبطاقات التلامسية وذلك للتقليل من التعامل المباشر من خلال البنك حفاظا على التباعد الاجتماعي ، بالاضافة إلى محفظة المصرف والبطاقات المدفوعة مقدما والذي ساهم بشكل كبير مع التطور الرقمي واتجاه العملاء للتعامل بصورة كبيرة من خلال الأونلاين .

  • ماالدور الرئيسي لمركز الاقتصاد الإسلامي في المصرف المتحد؟

مركز الاقتصاد الإسلامي لدينا هو مركز بحثي وتدريبي يدعم الفروع والمنتجات الإسلامية ويدير أعمال الهيئة الشرعية بالمصرف ، كما أنه يتعاون مع الإدارات المختلفة مثل إدارة التدقيق الشرعي وإدارة الإتصال المؤسسي.

  • هل البنوك الإسلامية مستعدة لمواجهة أزمات أخرى مثل كورونا؟

بالطبع البنوك الإسلامية أكثر استعدادًا لمواجهة أي أزمات راهنة ومستقبلة ، حيث أنها تعتمد على التمويل عبر الأصول المادية “السلع والخدمات” ، الأمر الذي يعطي رسوخًا أكثر في المعاملة كما أنها لاتصاب بآثار مماثلة لما تتأثر بها البنوك المعتمدة على التمويل النقدي ، حيث أن التمويل بالأصول في المصارف الإسلامية يرجع في الأصل لمتانة مالية معينة تجعله قادرًا عن غيره في الوقوف في وجه مثل هذه الأزمات مثل ماحدث في الأزمة العقارية بالولايات المتحدة الأمريكية ، فكانت البنوك الإسلامية خلال هذه الأمة الأقل تأثرًا وذلك لقدرتها على إدارة المخاطر كما أنهاالأكثر ثباتًا في مواجهة الأزمات عن غيرها.

  • من وجهة نظرك ما مدى التطبيق الفعلي لنموذج الإقتصاد الإسلامي في البنوك الإسلامية بمصر ؟

في الحقيقة نجد التزامًا كبيرًا وحرصًا شديدًامن البنوك الإسلامية الكاملة في مصر مثل بنك”البركة، فيصل الإسلامي، مصرف أبو ظبي الإسلامي”، وما تبعتها من بنوك لها فروع إسلامية خاصة ” بنك مصر ، المصرف المتحد”، في تحرك دائم من أجل التطبيق الفعلي لنموذج الاقتصاد الإسلامي ، فحسبما رأينا من تقارير الجمعية المصرية للتمويل الإسلامي الأخيرة وجدنا أن ١/٦ الودائع المصرفية خاصة بالبنوك الإسلامية والذي يعد في حد ذاته نجاحًا ، بالاضافة إلى أن التمويلات تسير بخطى معقولة ، ولكن ينقص إدخال التكنولوجيا في المعاملة والتطوير المهني والمعرفي ، بالاضافة إلى عدم وقوف التشريعات كعائق في وجه التنفيذ للبنوك الإسلامية ولكن إعطاء مساحة كافية للعمل في ذلك والصورة العامة مرضية بشكل كبير رغم التحديات القائمة.

د.علاء الصفتي

(رئيس مركز الاقتصاد الإسلامي بالمصرف المتحد)

2 تعليقان

  1. HESSIEN ELABIAD
    3 يناير، 2021

    وفقكم الله الي مايحب ويرضي ونفع بكم البلاد والعباد الاخ والصديق العزيز

    • Eifa الجمعية المصرية للتمويل الإسلامي
      19 مايو، 2021

      وفقنا الله وإياكم لما فيه الخير

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *